.

منذ 3 ساعة 0 18 0
هل يصبح الذكاء الاصطناعى ساحة للصراع الأمريكى الصينى على أرض مصر؟
هل يصبح الذكاء الاصطناعى ساحة للصراع الأمريكى الصينى على أرض مصر؟
 بقلم: أحمد بكير ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة مساء أمس، في أول زيارة له إلى مصر منذ عشر سنوات، لا تبدو القاهرة مجرد محطة دبلوماسية فى جولة رئيس دولة كبرى، وإنما تبدو أيضًا نقطة تقاطع مهمة في صراع دولى يتسع نطاقه يومًا بعد يوم بين الولايات المتحدة والصين على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والرقائق ومراكز البيانات. فالزيارة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، بينما تسعى مصر إلى تعظيم شراكاتها الدولية وتنويع مصادر التكنولوجيا والاستثمار، وتعمل بكين على توسيع حضورها الاقتصادى والتكنولوجى في المنطقة، في الوقت الذي تخوض فيه واشنطن سباقًا شرسًا للحفاظ على تفوقها في تقنيات الذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات. وهنا تبرز مصر باعتبارها سوقًا ضخمة وموقعًا استراتيجيًا، والأهم أنها تبني تدريجيًا بنية رقمية تعتمد على مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعى. والسؤال اليوم لم يعد فقط: من سيبنى مركز البيانات؟ وإنما: من سيمتلك التكنولوجيا التي تدير البيانات المصرية؟ الصين تدخل هذا السباق بأوراق قوية، وفي مقدمتها شركات عملاقة مثل «هواوي»، التي تمتلك خبرة واسعة في الاتصالات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية. وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة منظومة تكنولوجية هائلة تقودها شركات مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت» و«AMD»، في وقت تتحول فيه الرقائق المتقدمة والحوسبة عالية الأداء إلى أدوات نفوذ استراتيجى لا تقل أهمية عن السلاح التقليدي. وهنا تكمن حساسية الموقف المصرى. فالتكنولوجيا ليست مجرد أجهزة تُشترى وتُركب، بل منظومات متكاملة من البرمجيات والرقائق وأنظمة التشغيل والتحديثات وخدمات الصيانة وإدارة البيانات. وكلما زادت حساسية البيانات التي تمر عبر هذه المنظومات، أصبح اختيار المورد التكنولوجي قرارًا له أبعاد تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن القومى والسيادة الرقمية. المخاوف هنا ليست اتهامًا لطرف بعينه بالتجسس، لكنها جزء من طبيعة الصراع التكنولوجي العالمي؛ إذ تتبادل واشنطن وبكين الاتهامات والمخاوف بشأن أمن البيانات وسلاسل الإمداد والأبواب الخلفية المحتملة في المعدات والبرمجيات. ومنح طرف واحد سيطرة واسعة على البنية الرقمية الحيوية لأي دولة يحمل مخاطر تستحق الحساب الدقيق. وفي المقابل، فإن الارتماء الكامل في الحضن الأمريكي ليس بلا تكلفة أيضًا، فواشنطن تستخدم بالفعل أدوات التصدير والعقوبات والقيود التكنولوجية في صراعها مع بكين، ما يعني أن الاعتماد الدائم على التكنولوجيا الأمريكية قد يجعل بعض القرارات المصرية رهينة للتغيرات السياسية والقواعد الأمريكية الخاصة بالتصدير والتكنولوجيا المتقدمة. لهذا تبدو المعادلة المصرية أكثر تعقيدًا من مجرد اختيار بين الصين وأمريكا. القاهرة، التي تؤكد رسميًا أن زيارة شى تأتي لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية ومتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، تبدو أمام فرصة لاتباع سياسة أكثر ذكاءً: الاستفادة من التكنولوجيا الصينية والأمريكية معًا، مع منع تحول أي منهما إلى بوابة وحيدة للبنية الرقمية المصرية. فالرهان الحقيقي ليس على «من يفوز» في الحرب التكنولوجية الأمريكية الصينية، وإنما على كيف تخرج مصر من هذه الحرب بأكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من التبعية. مصر تحتاج إلى تنويع مصادر التكنولوجيا، وتوطين أكبر قدر ممكن من المعرفة والخبرات، وتطوير كوادرها الوطنية، وفرض أعلى معايير الأمن السيبراني على البنية التحتية الحيوية، وضمان أن تظل البيانات المصرية تحت السيطرة والسيادة المصرية. ففي عالم أصبحت فيه "البيانات"  كابترول سلاحًا قوياً، والذكاء الاصطناعى أداة نفوذ مؤثرة، فإن المعركة القادمة لن تكون فقط على الأرض أو في البحر أو الجو. قد تكون المعركة الأهم داخل مراكز البيانات نفسها. وهنا تصبح مصر، بحكم موقعها وحجمها ودورها الإقليمى، واحدة من أهم ساحات الصراع التكنولوجى ليس بين أمريكا والصين فقط، بل بين الشرق والغرب.
سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

أحمد بكير
المدير العام
رئيس التحرير

شارك وارسل تعليق